الأربعاء، 14 ديسمبر 2011

تفكيك " بشّار "







كان مقررًا على الطالب الذي يعمل راعيًا للغنم في المساء، إلقاء عرض متعلق بمادة الصرف !
وقف بخطوات مترددة أمام نظرات خاوية من زملائه، باردة من معلم المادة.
جَهَرَ بعنوان الورقة الصغيرة التي يحملها:
 -
"بُنيةُ الاسم: بشّار"
ألقى نظرة خاطفة على معلم المادة المعقود الحاجبين.
"
لنبدأ بآخر الاسم، وهو: الراء !
والهمزة فيه تدل على اضطراب.
يقال: رأرأتُ بالنعجة، إذا دعوتَهَا"
أنهى جملته، ونظر بتفاخر لمعلم المادة الذي تراجع بخطواته إلى أن التصق بالجدار..
ثم أكملَ:

"-الثاني: ألف؛ يقال: ألفتِ النعجة المربض، واتخذته مألفًا.
وآلفتِ النعجة: إذا جمعت بين العلف والماء"
"=
يكفي هذا "
"-
دعني أكمل من فضلك"
"=
هذا ليس صرفًا ..!"
"-
لو سمحت !"
التزم المعلم الصمت محرجًا، وعقد ذراعيه أمام صدره..
فأكمل الطالب:
"-
الثالث: الشين: خلاف الزين، يقال: شانه يشينه
والمشاين هي المعايب والمقابح
مثال: تفاقمت المشاين في النعجة !"
فقد المعلم صبره، وأطلق تنهيدة ضجر، فرمقه الطالب بنظرة "لم أفرغ بعد" !
ثم استطرد:
"-
أخيرًا: الباء. باء: عاد ورجع
والباءة والباء: النكاح؛ مثال ذلك:
النعجة حريصة على الباءة. أي النكاح."
"=
هذه سخافة ! عد لمقعدك"
-
"آخر نقطة في العرض وبعدها افعل ما بدا لك"
أكملَ عرضه على الرغم من تحرّك المعلم :
"-
أما الاسم: بشار، فأصله: بشّرَ، قال الزجّاج:
معنى يبشرك: أي يسرك ويفرحك" .
اقترب منه المعلم ، فَهَذَّ الجُملَ المتبقية :
وقد تستخدم للوعيد، مثاله:
بشّرْ كل نعجةٍ وخروف وبعير بالذبح !! ".
"=
اجلس ولا تعد لمثل هذا" !
جلس راعي الغنم مبتسمًا بظفر 

.

الاثنين، 21 نوفمبر 2011

شظايا قبلة





كانت نداءً غير مسموع ، كل ما أمامي بعظمته وفتنته نداء؛ نداء ذو أثر سحري لم أعهده. ذكرني بنداء النداهة؛ الأسطورة المصرية التي تصوّر فتاة فاتنة تملك صوتاً يجتذب إليه كل شباب الحي، فيتبعونها دونما إرادة. لم أكن بحاجة إلى إرادتي، فقد أسلمتها ذاتي كلها، تفعل بها ما تشاء، ومشيئتها هي أن أقترب. التسليم التام هو عادة دلالة على الكسل والتواكل، لكنه في تلك الأثناء من أكثر المشاعر حتمية وحميمية.
نصحت الأجفان عملياً بأن حاسة البصر يجب أن تعطل؛ لأن اللحظة يجب أن تعاش في الظلام؛ ففي الظلام تتعاظم كفاءة الحواس الأهم في هذه اللحظات: اللمس، الشم، السمع. واستوعبت الشفتان، فسجنت كل حرف قد يطل برأسه في اللحظة القادمة.
تجاوزنا مرحلة الاقتراب، وكفي اليمنى أعلنت امتنانها بمجرد أن استراحت على عنقٍ لين دافئ، لا يبدو أنها تنوي الرحيل قبل انقضاء فترة لا تعلم مداها إلا الكف. لم أعلم أن الحواس تغبط بعضها إلا بعد أن تبرم أنفي واحتج، ثم تمرد، ومارس حقه في أن يستند بخشوع أمام أرنبة أنفها.
كان أنفي وافر الحظ؛ فعندما تمادى خدي الأيمن، وارتمى منهكاً على خدها، كان هو يحلق بجذل، ماراً على خدها ، إلى أن اقترب من نهاية وجهها. كان أثر الرحلة عليه جلياً عندما انتظم سير الهواء الداخل إليه والذي كان معتقاً بما جنته نزهته، والهواء الخارج منه والذي يصف حالته الناضحة بالرفاهية. كانت النسمات تتماهى مع تلك التي تطرق أذني اليمنى ناسجة سيمفونية عبيرية لا تضاهى.
تسللت بحذر كفي اليسرى، ودلفت إلى عالم من حرير لم تطأها مسام الكف من قبل. فأصيبت بصدمة مواجهة الجديد، وتملكتها غرابة البيئة وفتنتها، فتجوّلت فيها متساءلة ومنبهرة من رقصاتها الجريئة، فتركتها تتخلل أصابع الكف وتستنشقها، ثم استأذنتها برقصة بطيئة متناغمة مع رقصة تلك الخصلات !
قطع اللحظة تهافت الخد الأيمن باكياً ! ثم أتبعه هتاف الأنف الحزين، عندما ترجلت الشفتان المبتلتان، وقررتا بحزمٍ أنهما سيدتا هذا الموقف وغايته، لكنهما ما إن دنيا من شفتيها، حتى أصيبتا برجفة حماسة أحدثها الفك السفلي، وتوتر اللقاء الأول، فوقفتا حائرتين مطرقتين بخجل، لم يصدر عنهما أية بادرة. ثم تملكتهما شهوة مفاجأة، فاقتربتا بوجلِ وتردد وخضوع !
تجمدت الشفتان في مكانهما بذهول، واستيقظت كفي اليمنى من غفوتها مفجوعة، وتنبهت كفي اليسرى إلى أن شريكتها في الرقص قد تراجعت بنعومة وتركتها تراقص الفراغ، واشتكى أنفي وهو ينشج من بقايا رائحة أوشكت على الأفول. أما أذني فقد ازدادت حساسيتها لتحاول يائسة التقاط النغمة الأخيرة المفقودة. هنا فقط، حُررت عيناي، وانطلقتا، لتلتقطا بقايا طيف يتلاشى، ثم ارتدتا لتتأملا ما أحدثته شظايا القبلة.
  

الاثنين، 3 أكتوبر 2011

كأي ذكرى







مضى تقريباً 8 أو تسع سنوات على تخرجي من الثانوية العامة ، ومن بعدها بدأت رحلة التنقل بين مدن المملكة وخارجها .. لم يكن للإجازات الصيفية نصيب مني .. فقد كنت أنفقها في الفصول الصيفية .. والدورات .. الخ
الإجازات القصيرة بالنسبة لي هي فرصة لإعادة الوصل مع جيراني القدماء في مدينتي .. وفي حيها القديم .. جيران الطفولة والمراهقة الأولى . وليس الوصل الذي أعنيه هو طرق الأبواب والسلام وتناول القهوة والسؤال عن الحال .. لا .. إنما هو بالنسبة لي عبارة عن تلويحة سريعة بيميني وأنا عابر بسيارتي - أو متجولاً على قدمي - لم أكن انتظر من جميعهم رداً للسلام أو حتى تذكري ومعرفة من أنا .. صحيح أن بعضاً منهم كان يسأل عني عند أبي ، ويتساءل عن سبب عدم رؤيتي في المسجد بعد آخر يوم من الثانوية ! وصحيح أن أحدهم كان يعاملني بتبجيل ، فيلزم أبي بإحضاري معه في المناسبات الرسمية وحتى جلسات قهوة المغرب .. لكن هم الآن في حال مختلفة ..
كنت أفكر بهذا وأنا أتمشى بالأمس في إحدى الأحياء القديمة التي تعبق بالذكريات .. ذكرى اللعب والجري وأكياس المصاقيل وحديث عن أنواع السياكل .. هذا المكان كانت تحتله بعض البيوت الطينية التي كنا نتخذ جدرانها مرمى يستقبل ركلاتنا التي نظنها " صاروخية " وهي في حقيقتها " بوز " .. استبدلت الآن بمنازل حديثة الطراز .. ومصمتة .
أقول إن هؤلاء الآباء قد انقلب حال بعضهم وتبدل .. فقد تحلّى الزمن بالمنة والكرم .. فأهدى أحدهم عكازاً .. ولآخر كرسياً .. ولأحدهم (... ) كي يقضي حاجته .. كل هذا مؤلم ، وقد يكون بغيضاً غير مفهوم بالنسبة لي .. المهم أنه يمنحهم العذر في عدم معرفتي ..
هذا السلام كنت أحظى بأجمل منه ، والذي هو عبارة عن تربيت حنون على رأسي مكافأة لي على بقائي هادئاً أثناء أداء صلاة المغرب .. بعكس زملاء الفريق الذين كان حظهم الطرد من المسجد وفي أقل الأحوال التوبيخ العنيف .. لأنه يروق لهم المزاح في المسجد بالذات .. ويختارون لهذا وقتاً مميزاً هو وقت تلاوة الآيات .. الآيات التي كانت تتلى بصوت خلف الدوسري .. الرجل الخجول المؤدب .. كانت تربطني به علاقة جميلة في الحلقة منذ أن كان عمري تقريباً 5 سنوات .. فقد كنت أحب التسابق مع حارس المسجد البنقالي والإمام في إغلاق المكيفات بعد صلاة العشاء ..! هذا الإمام قضى في حادث سير في الحوطة مع أغلب عائلته منذ 3 سنوات .. ونتج بعد وفاته بيوم واحد صراع كبير وعنيف حول .. حول من يقوم بإمامة المسجد من بعده .. ! كانوا يختصمون أمام ابنه الوحيد ناصر ذو الستة عشر عاماً .. تدخلت القبائل في هذه المسألة .. والجيران .. والغُرب .. والسبب المنطقي الذي أراه كان الطمع بالمنزل الأنيق الملاصق للمسجد .. ! كنت أتأمل زعيقهم في روضة المسجد بعد كل الصلاة .. وأخرج منه متعجباً .. هل كل ذلك لأجل التباحث في من يحق له إمامة المسجد ؟ إن كان الأمر هكذا ، فالأولى به هو الحارس البنقالي الذي لا يزال ينشج على عتبة المسجد !
غرابة الدنيا وتناقضها وصفعاتها مزعج .. هذا ما فكرت به وأنا ما زلت أتجول بالحي .. فكرت بهذا وأحجمت عن التفكير به بنفس الوقت .. لأن التفكير حالة مزعجة هي الأخرى .. هذا الحي القديم ينتهي بمرتفع كبير .. ومعظم البيوت تبدأ تتناثر من قمة المرتفع ، وتنتهي في الشارع العام بالأسفل .. هذا الحي كان مكاناً لمقابلة الأصحاب وإقامة المناسبات الرياضية ، كما أنه ممر يقود لمدرستي - متوسطة حطين . بدأت التفكير بالمستقبل وأنا في أول متوسط .. ! أحمل حقيبتي ، واخرج باكراً جداً ، وأقطع هذا الحي الصغير ، وكنت أتعمد الصعود لقمة المرتفع .. بماذا كان التفكير على وجه التحديد ؟ أعتقد أنه كانت أماني وصناعة سيناريوهات متخيلة للمستقبل المهني القريب الجميل .. كانت مهنة الطيران هو أكبر هاجس بالنسبة لي وقتها .. ربما لأنها مهنة أخي الأكبر ؛ مهنة جذابة ، من يرفض أن يجوب معظم بقاع العالم في أسبوع ؟ المهنة الحلم الأخرى كانت الهندسة ، وهذا طريف لأني لم أكن أدري ماذا يصنع المهندس .. كل ما أعرفه هو أنهم سيدعونه مهندس .. ربما الصفير الأخير الناتج من حرف " س " هو السبب .. المهنة الحلم الأخيرة هي أن أصبح ضابط ! ياليييل .. وليه ضابط ؟ لا أدري .. حرف " الطاء " لا علاقة له بالموضوع هذه المرة ، لكن ربما كانت الوجاهة الساحرة وقتها هي السبب . كان يشاع بأنك ستستطيع أن تنهي معاملاتك الحكومية إذا أتيت بالرداء الرسمي الذي تومض على أكتافه " نجمتان "، وانك ستقدم بالمجالس ، فتتموضع أسفل الصورة الكبيرة لشجرة القبيلة .. ولا أدري إن كان لا يزال أحد يعتقد هذه الفكرة إلى الآن . ما أؤمن به أنا حالياً أن الركض وراء الوجاهة الاجتماعية والبرستيج والخوف على الصورة العامة للشخص والعائلة والقبيلة والبلد من الخدش ، مبدأ لايستحق أن أعرق لأجله .
كانت هذه الأمنيات الوظيفية تقوم بشحني نفسياً ، وتحفزني على التفوق الدراسي في مرحلتي المتوسطة .. كما أنها كانت تساعدني في تلك الصباحات على الصعود لقمة المرتفع على الرغم من حقيبتي الثقيلة .. كنت أصل للقمة .. ثم ألتفت لأتأمل البيوت الطينية المتهالكة والمنثورة بلا نظام .. أراقب الطلبة المتثاقلين الذين توارت نصف وجوههم بأشمغتهم لإخفاء حالة الكسل والقرف من الاستيقاظ الصباحي واليوم الدراسي .. وأشاهد الفتيات الصغيرات الذين يقطعن الحي بخطى وئيدة ، يقودهن أخ أصغر منهن جميعاً ويحمل حقيبة كبيرة تقرب من حجمه هو .. أحيانا أزور بقالة السوداني عثمان ,, وأطلب عصر ربيع .. وأجلس على أحد الصناديق الصفراء أمام الباب .. وأقضي الربع ساعة الأخيرة في إكمال رواية من روايات أحمد خالد توفيق ..
وبعد أن يحين الوقت .. أقف .. وألقي نظرة جديدة على المنحدر .. ثم انطلق جرياً للأسفل بمعاونة من الجاذبية ، ومن ثقل الحقيبة على ظهري .. كنت أجرب إغلاق عيني أثناء الركض .. ثم أفتحهما بالثانية التي تليها خوفاً من ارتطام أليم .. التناغم اللذيذ بيني وبين الجاذبية ممتع ..
بالأمس حاولت تجربة الصعود ، كنت متثاقلاً جداً .. تحاملت على نفسي وصعدت .. وصلت أخيراً وأنا ألهث بشدة .. والتفت بعدها لأرى ما لا يستحق .. فعلاً لم يكن هناك أي شيء .. حتى المنحدر لم يكن واضح " الانحدار " .. فقد شوّهَ بعد أكثر من خمس عشرة سنة بمنازل متباينة الطول والأحجام .. هناك أشخاص لا أعرفهم يحملقون فيّ بنظرات مستنكرة لشخصي الغريب عن الحي . لم أعد أرى أي طلبة .. لا كسالى ولا مبتهجين ولا غيرهم .. ولا أثر لفتيات صغيرات ولا لأخ أصغر منهن . البقالة موجودة .. والصناديق الصفر مصفوفة .. لكن عثمان غائب .

الجمعة، 23 سبتمبر 2011

صناعة شعراء البلاط








الذين استعرضوا حياة بائعات الهوى في رواياتهم ، استخرجوا لنا صنفين منهن : فهناك من تمتهن بيع اللذة لأنها تفتقر للتعليم أولاً ، ولأي موهبة قد تعينها على تحصيل وظيفة أخرى ، فلم تجد إلا جسدها كي تتكسب منه من خلال إمتاع أجساد الآخرين ، وهي في ذلك توجب أن يكون عملها بالغ السرية ؛ تخرج من حدود حيها في الظلام ، وتعرض بضاعتها للزبون ، تبيع ، ثم تعود لغرفتها المتهالكة ، وفراشها المهترئ. قد تبكي أحياناً تحت الأغطية ، وتلعن الزبون والزمن ، لكنها تعود في الليلة التالية وتفعل المثل . هي ليست فخورة بمهنتها ، والدليل أنها لم تسلك هذا الطريق إلا بعد أن أعياها البحث عن طرقٍ أخرى . قد نشعر تجاهها بتعاطف ، مهما اختلفنا مع طريقتها في نيل الرزق .
الصنف الثاني قد يكون ميسور مادياً ، لكن أحلامه أكبر من ظروفه ، فهو من النوع السعيد والراضي بعمله ، تتحقق أكبر أهداف عملها حين يعود لها الزبون مرة ثانية ويطلب المزيد ؛ تشعر بالزهو حين يفعل ذلك ويركع  مترنحاً عند قدميها ، حتى لو كانت تعلم أنه تحت سطوة كأسه الذي يحتضنه بيسراه ، وحتى عندما تتيقن أن حبه لها ينتهي مع انقلابه على ظهره ، وفي الصباح ربما يطردها مع سيل من الشتائم . هي لا تهتم لذلك كلّه ، جل اهتمامها بالورقات النقدية الملقاة في يدها . هذه الأوراق جاءت نتيجة ذكائها وفذلكتها - كما تحب أن تسميها . ربما تحكي قصص مهنتها عند للجميع ولا تخجل منها. عادة لا نتعاطف مع أمثالها ، لأنها ارتضت أن تجعل الجنس - والذي من المفترض أن يحفظ لمن تحب - سلعة تتاجر بها .
لكن في وقتنا الحاضر ، خرجت هذه التجارة من كونها بضاعة تنتهي مع شخير الزبون في غرفة النوم ، إلى أن تعتنق الشاشات . وتوسعت أعمالها لتغطي احتياجات العيون الجائعة . فأصبح المستهلك يدفع المال لا ليقتنص جسد إحداهن ، وإنما ليشاهدها وهي تبيع ! هنا بلغ الفخر ببائعات الهوى مبلغه ، فأصبحت أعمالهن صناعة بحد ذاتها ، وأقيمت مسابقات عالمية وفرش البساط الأحمر لهن ، ووضعت مسابقات وتقييمات وتصويت على أفضل عشرة بائعات الهوى مطبوعة على مجلات شهيرة ، والفائزة بالمركز الأول تكون قد نالت أعلى الدرجات في المعايير الموضوعة ، والتي من ضمنها جودة البضاعة وجاذبيتها لغريزة الجنس الآخر وكفاءة الأداء .
السؤال الآن بغض النظر عن تقززنا وانزعاجنا من هذه الصناعة : هل الفائزة بأفضل وأجمل بائعة هوى عندما تعود بالملايين ، وتركب سيارتها الفارهة ، وتدخل لمنزلها الفخم ، وتستلقي على فراشها الوثير ، تلعن شريك المشهد والمنظمين والشركة والصناعة بأكملها ، أم تدعوا لهم ؟


الثلاثاء، 30 أغسطس 2011

عـ ... يــ .. د



- بكرة عيد
= أعلنوه رسمي ؟

- ايه الخضيري " قزه "

= والشيعة ؟

- قلعتهم

= والفلكيين ؟

- قلعتهم بعد

= الرؤية ما تحتمل معنى العلم ؟

- لا ، لأنه يقول لك " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته "
= ايه والله إنك صادق .
وديت ثوبك للمغسلة ؟
- بوديه بس بعد ما أحلق

= ايه الله ياخذهم مدبلين الأسعار

- السكسوكة بعشرين !

= واللحية بعشرة !

- ياحظ المطاوعة بس

= ترى المغسلة زحمة !

- مغسلة السيارات ولا الملابس ؟

= كلهم

- الله يستر

= كيف شغل الخياط

- يمشي الحال

= عساه ما طمع فيك ؟

- بدري عليه !

= ومتى بتنام الليلة ؟

- والله مدري ، بس جوعان !

= هات لك سندوتشات

- شوي مو الحين

= ترراه بيسكر بدري لا تحسب انك برمضان !

- ايه والله صادق !

= طيب نجيب سندوتشات ايش ؟

- ما ودك بكبسة ؟

= معاك

- طيب خله شوي تونا مفطرين

= تراهم بيسكرون .. لا تحسب إنك برمضان !

- ايه والله صادق !

= متى بيجون الرجال بكرة ؟

- من عقب صلاة العيد لين ثمان ولا تسع

= ونرقد عقبها ؟

- بس نصحى العصر يمكن يجون رجال

= مو تقول لين تسع ؟

- فيه فلان ما يجي الا العصر

= ايه والله انك صادق

- يعني ما فيه نوم الحين

= بتصلي العيد

- استغفر الله أكيد

= وأنا بعد

- عند أي جامع ؟

= فلان خطبته ما تطوّل

- فلان خطبته زينة

= معاك

- وراك ما حلقت للحين ؟

= حتى أنت ما حلقت !

- زحمة

= ايه والله إنك صادق

- القناة الأولى ما غيروا أغنية " فرحة فرحة " للحين ؟

= ليه يغيرونها ؟

- أبو نورة ما سوى وحدة جديدة ؟

= يمكن ما عجبتهم !

- يمكن ما سوى أصلاً !
- يمكن !

= خوجة يهنئ مين ؟

- الشعب

= والشعب فرحانين ؟

- أكيد !

= أنت فرحان ؟

- ايه بس أبغى أحلق

= لكن زحمة

- أكيد !

= يعني الشعب ما حلق ؟

- أكيدين !

= وخوجة محلق ؟
- ما يبيلها
= عقالي ضيق شوي

- وليه شريت عقال ؟

= مو تقول بيجون رجال بكرة
؟
- رجال الصبح الين 9
!
= وفلان يجي العصر
!
- والله إنك صادق !

= وش قاعد يسوي بشار ؟

- شكله خايف

= يعني ما حلق ؟

- يمكن زحمة

= أنت تكرهه ؟

- أكيد !

= يعني فرحان ؟

- ايه بس أبغى أحلق

= لكن زحمة

- من جد زحمة

= ترى أقرفونا هالبزران بالطرطعانات !

- لأنهم فرحانين

= يعني حلقوا ؟

- ايه أكيد !

= يعني ما فيه زحمة

- أجل شلون حلقوا ؟

= ايه والله إنك صادق . 

 

الاثنين، 22 أغسطس 2011

فتنة القهوة













متى تعفيني من ثرثرتك يا زميل ؟
نصائحك التي تصبّها على رأسي في مقهى الجامعة كل يوم دراسي ، أعتبرها - بحسن نية - حرصاً على صحتي . مضطرٌ لأن أراها كذلك ، حتى تظل جالساً أمامي ، وأحافظ على إبقاء لسانك في حالة نشطة ؛ حتى يملأ الفراغ الذي بيني وبينك بعدد لا نهائي من شتى العبارات والمشاعر . سأعترف بأن نيتك حسنة يا زميل ، المهم أن تحافظ على شفتيك تتحركان ، وألا تفقدا وظيفتهما الأمنية في حبس الكلمات الآبقة وغير المفيدة . مالك فقدت شفتيك هذا الصباح ؟ لا داعي الآن لكل تحذيراتك يا زميل ، ها هو عامل المحل يقدم لي القهوة بلطف قائلاً :" تفضل يا أستاز " .
هل تعلم كم تكبد هذا العامل قبل أن يقدم لي هذا الفنجان ؟ أنظر لعينيه ، وتأمل سحابة العناء الغائمة التي تحلق على امتداد حاجبيه ، ماذا ترى ؟ دعني أقول لك ماذا أرى ؛ إني لا أرى ، إني أشم رائحة تعجز جميع وسائلك التشويهية في مقاومة مدها !قل ما تشاء يا زميل، حدثني عن فتنة البن الغامق وتحميصه الذي يكسبه حامض "النيكوتنيك" ، والذي سيغار من الوسط المعدي الحامضي ، ويعتركا معاً حتى يخلّفا "قرحة" .
واصل حديثك بما تشاء يا زميل .. ولاسترق النظر للقناة الإخبارية التي تعرض مقابلة قديمة مع وجهٍ لا ملامح له، وجهٍ ممتلئ بسجون وأقبية تنادي وتئن .وجه ارتكب المئات من جرائم القتل والسطو والخيانة . انظر ماذا حل به الآن ؟ تداعت كل تلك السجون ، وخفت الأنين ، وجفت الدماء من وجهه .. واستُبدل عينين يتأمل بهما بؤس مصيره ، وأذنين يلتقط بهما همسات التشفي والتهديد . سيقضم وأولاده خبزاً جافاً ، سيدركون أنه لم يكن يستحق تلك القيمة التي امتصت الفقراء . ثم انظر لاتفاق المخرج مع كل ما أفكر به ، ونقله مشهد المقابلة إلى جلسة المحاكمة وقضبانها ، وارتعاش نبرة كل منهم وهو يردد : " موقود " .
استيقظت تدريجياً من تأملاتي في اللقطات المعروضة ، وتحول ناظري إلى الكرسي الوثير المنصوب أمام شاشة التلفاز الكبيرة ، والذي يجلس عليه ذات العامل . كان مولياً ظهره لنا ، ولا يبدو منه غير مؤخر رأسه المائل قليلاً لكتفه الأيمن ، فيما بدا أثر شمسنا على رقبته السمراء المحمرّة ، وقدمه اليمنى قد ألقاها على قدمه اليسرى بتكاسل ، وتبدّى لي حذائه فقط ، والذي بليت أطرافه من طول ساعات العمل . يبدو نائماً ، وربما كان يتابع ما تابعتُ بتركيز أعمق ، وفخر أكبر .
تناولت قهوتي والمعلومات ما زالت تهطل عن علاقة القهوة بتسارع النبض ، وبالصداع الناتج عن ارتفاع ضغط الدم ، والأرق والهذيان والتوتر وتشنج العضلات والغثيان .. متى تعفيني من ثرثرتك يا زميل ؟

الخميس، 14 يوليو 2011

صناعة الكوابيس




هذا استقراء بسيط لتاريخ صناعة الكوابيس التي عاشها وما زال يعيشها مجتمعنا السعودي مع كل خطوة تنموية.
وسبب البحث هذا هو كثافة المواضيع التي تخلق الكوابيس عند كل خطوة تنموية بحجة الحرص الزائد وأنه من كمال غيرة المسلم !
تعريف الكابوس في هذا الموضوع :
التغريب ومنه : فساد الأمة وانحلالها ، والتعري ,, الخ !
تعريف صناع الكوابيس :
هي الخطابات الإسلامية الرافضة أو المستنكرة لبعض الخطوات التنموية ، بحجة الخوف من "رياح التغريب".
.
أمثلة لصناعة الكوابيس قديمًا ، وحتى وقتنا الحاضر
[1]
الخطة التنموية : تدريس الفتيات الجغرافيا والحساب
الكابوس : " تعليم المرأة على هذه الصفة مصيبة وخطر عظيم على مجتمعنا " .
يقول الشبخ عبدالله سليمان الحميد رحمه الله في كتاب ( الدرر السنية في الأجوبة النجدية ص.80 ) :
( أيها المسلمون: يا أهل الغيرة والأنفة، اسمعوا لهذا التصريح الشنيع الذي يقصد منه.. مجاراة الأمم المنحلة في تعليم بناتكم الحساب والهندسة والجغرافيا، ما للنساء وهذه العلوم، تضاف إلى ما يزيد عن أحد عشر درساً غالباً لا فائدة فيها، إنها لمصيبة وخطر على مجتمعنا.)
التعليق :
نلاحظ أن "المصيبة" كابوس لا وجود له في وقتنا الحاضر
فأخواتنا قد درسن الحساب والفيزياء والكيمياء والطب
ولم يربط أحد - لا باحث ولا عالم شرعي معاصر - بين أسباب الانحلال وبين دراسة تلك العلوم !
.
[2]
(هنا كابوس مزدوج)
أ. المنهج التعليمي : تدريس الفتيات الأدب الإنجليزي
الكابوس : هذه العلوم خطر على عفاف الفتيات ، وهو من وسائل تغريب الفتاة السعودية !
يقول الشيخ ناصر العمر - حفظه الله - في كتابه ( بناتنا بين التغريب والعفاف ،صفحة 23) :
(ماذا نرجو من فتاة تعيش خمس سنوات تتعلم الأدب الإنجليزي ، وقصص شكسبير ، وقصص الحب والغرام ؟ ماذا تتوقعون أن تتخرج الفتاة بعد ذلك ؟ )
التعليق :
الخوف على أخلاق الفتاة من تعلم الأدب الإنجليزي هو كابوس آخر ؛ فالتخصص لا يعلم الفتاة كيف تحب بالطريقة الشكسبيرية
وإنما يعلمها تذوق الأدب
يعلمها النظريات النقدية الحديثة التي تساعدها في فهم النصوص
ولقداستيقظ الشعب من كابوسك بعد سنين ، ولم يربط أحدهم - لا باحث ولا طالب علم شرعي - بين الأدب الإنجليزي والفساد الأخلاقي .
ثم لماذا -يا شيخنا- تخشى من تعلم الفتاة للأدب الإنجليزي دون الشاب ؟
،،،
بـ. الخطوة التنموية : الابتعاث
الكابوس : الابتعاث جر وسيجر على أمتنا الويلات !
يقول الشيخ ناصر العمر أيضًا في كتابه السابق صفحة 24 :
(إذا كان الابتعاث غرب كثيرًا من أبنائنا،فكيف تتصورون ببناتنا ؟ لقد جر الابتعاث على أمتنا الويلات ، حتى أصبحنا نرى هياكل نعرفها ، ومخابر أجنبية عنا )
التعليق :
يجمع الكثير على أن الابتعاث له فضل كبير في تحسن مستوى عقليات كثير من شباببنا وفتياتنا ؛
فلقد أصبح شبابنا أكثر انفتاحًا على الرأي الآخر ، وأكثر مرونة حال النقاش .
وأقل تعصبًا للرأي الشخصي
بل صدق أو لا تصدق
لقد أصبح بعضهم أكثر تمسكًا بدينه
والسبب هو رؤيته للجانب الآخر من الأرض
بما فيه من أديان وحضارات أخرى جعلته أكثر إيمانًا بما يملك .
أما ما تراه من انتكاس حال بعضهم
فهو بسبب التربية المنزلية ، لا أكثر ولا أقل .
.
[3]
خطوة إدارية جديدة : دمج الرئاسة العامة لتعليم البنات مع وزارة المعارف.
الكابوس : هذا بداية الاختلاط في المدارس !
يقول الشيخ محمد الهبدان في خطبته بعيد الدمج والتي كانت بعنوان " شهيدة العصر " :
(في مساء العاشر من شهر الله المحرم ...
يوم عاشوراء ..
وبينما الناس على موائد الإفطار ..
صكت أسماعهم أنباء ذلك الهول العظيم ..
والمصاب الأطم ..
فكدرت على الناس فرحتهم .. بصومهم وفطرهم ...
وبقي الكثير من الرجال والنساء ...
في دهماء عمياء ... بين مصدق .. ومكذب ... ومرتاب ..
ماذا يقال حقيقة أم أنني *** في بحر أحلامي أخوض وأمخر ..
وبات الناس ...
بات الناس يدوكون ليلتهم ..
أحقا؟ .. قضي على الرئاسة العامة لتعليم البنات ..
وتبادلوا رسائل الحزن والعزاء ..
أحسن الله عزائكم .. وجبر مصابكم في الرئاسة ..
توفيت هذه الليلة الرئاسة العامة لتعليم البنات ..
عن عمر يناهز الثانية والأربعين سنة ..
فإنا لله وإنا إليه راجعون ..
إنا لله وإنا إليه راجعون ..
بكى الكثير .. وحزن الصغير والكبير .. وفزع الجم الغفير ...
وأقسم أناس ... أنهم ما باتوا تلك الليلة .. ولا لذ لهم غمض ..
وحلف آخرون .. أنهم باتوا طاوين .. لم يذوقوا على الافطار غير تمرات .. حتى نهارهم التالي ..
وحق لهم ...
إي وربي حق لهم ..
حتى المحاريب تبكي وهي جامدة *** حتى المنابر ترثي وهي عيدان ..
لمثل هذا يذوب القلب من كمد *** إن كان في القلب إسلام وإيمان ..)
إلى أن يقول :
( وأسندوها لأناس لا تبرأ بهم ذمة )
.
التعليق :
استيقظ بعد فترة عشرات الآلاف من المسلمين من هذا الكابوس بعد ما علموا أنها مجرد دمج إداري لا علاقة له بالاختلاط في المدارس .
والمحصلة : خطبة جمعة ، أفسدت على الناس روحانية اليوم ، وجيشت الشعب ، ووجهته لقتال اللاشيء !

الثلاثاء، 28 يونيو 2011

سياحة





عقدت العزم على خوض تجربة سفر فريدة . لن تكون في بلد ذا بنية سياحية عريقة ، بلدٍ يتبجح سكانه بمتاحفه التي تنتصب فيها قصور ملوكه وقياصرته المحنطين . ولن تكون على ضفاف شواطئ تستلقي حبات رمالها جذابة ساكنة ومسترخية ، إنما وجهتي هذه المرة هي صوب قلوبٍ تشغل حيّزي . قلوب ساهمت في صنع ما أنا عليه ؛ فتواطأت على استدرار دموع الإحباط والخوف والعتاب ، بل الضحك حتى ! قلوب تنبض بالامتنان تارة ؛ فيملؤني التفاؤل والفخر . وتنشج البؤس واللوم تارة ، فأنتكس حيرة وحزناً . قلوب تفيض بالكراهية والوعيد ، فأنقلب متسائلاً ومحققاً ! أتشبِهُ زيارة عمل تفقدية يختلس أثناءها الموظف ساعات من العبث ؟ ربما .. ! أستروني سائحاً فضولياً لا يكف عن طرح الأسئلة غير الضرورية ، ولا عن إطلاق شهقات الكاميرا المستريحة بين كفيه ؟ لا مانع !
تستلزم مني هذه الرحلة أن أعيش ابتداء ككاهن "تبت" يتربع على أحد جبال الهيمالايا ، ومستغرقٌ في تأمل يخلّصه من جسده ، كي يحلّق بأرجاء المعمورة . لكن رحلتي هذه ستكون مختلفة .فسأحل ضيفاً على دواخل من أعرفهم ؛ قلوبهم . سأجوب عوالمهم العاطفية التي تسيّرني . وسأتحقق مما تحمله قلوبهم لي من بضائع ، وما وعدتني به من هدايا . سأتفقد مقدار ما اختلسته من تلك القلوب .. سأقر بما أحدثه ثقل خطاي عليها يوماً ، وما جنته تهوّر قراراتي !



في أي رحلة سياحية تتألف من زيارة لأكثر من بلد ، نبدأ عادة بالدول التي تشتهر بالاستقبال الفرح للسياح ؛ وذلك لأجل أن نجني انطباعاً يشجع على استكمال رحلتنا إلى باقي الدول . لذا ، آثرت أن استعين على إنجاح رحلتي بزيارة مطوّلة لقلب " الأم " . حلّقت عالياً متأملاً هذا القلب ، كان قلباً أبيض .. شاسع .. منبسط .. مصقولٌ .. لا نتوءات أو تضاريس ؛ يخيّل إلي أن الطريقة المناسبة لأن تتنقّل فيه ، هو أن ترتمي على بطنك ، وتدع مرونة سطحه تحملك - متزحلقاً - إلى ما تريد . عندما هبطت ، كانت - لحماستي - تلك طريقة تنقّل البشر هناك بالفعل ، بشر ؟ لم تكن هذه الرحلة الروحيّة لتفصح عن ماهيّة سكان ذلك القلب ، كل ما أعرفه هو أن لهم تكوينٌ يشبهني كثيراً . لم أتفاجأ بحجم الترحاب الذي لقيته وسط ذلك القلب ، وإنما تفاجأت بالدموع التي تملأ نصف محاجر السكان هناك ، على الرغم من الابتسامة التي حفرت طريقها بأناقة من الأذن للأذن . كان هذا المزيج من الحزن المرتسم على النصف العلوي،والسعادة التي تنضح في النصف السفلي ، يضفي علي مشاعر ذات معنى واحد فقط : تأنيب الضمير .
أن تتطلّع إلى وجوهٍ تشعرك بأنك مذنب من أعلى رأسك إلى أخمص قدميك ، لهو أمرٌ عسير ! تحاول بيأس أن تختلق مبررات وأسباب ، لكنها تموت قبل أن تجد طريقاً خارج عتبة حنجرتك .. تلك الطاقة التي تجمع مابين العتاب الحزين والترحيب السعيد ، والتي تومض من تلك القسمات ، لا قبل لطاقتي "التبريرية" بها . كما أصبح واضحاً ، فإن ترجمة تلك الدموع ، هي الحزن والعتاب على ما اقترفته أنا بحق هذا القلب من طول الهجر ، وأن الابتسامة هي ابتهاج بزيارة غير متوقعة !
تجوّلت في ذلك القلب كملك غير متوّج ؛ فهم يحفّوني من كل الجهات ؛ وكأن هناك خطراً محدقاً بي . سألت أحدهم إن كان ذلك ضرورياً في مثل هذا المكان الآمن ، فأجابني بالنفي ، بل بشّرني بأن كل واحد هنا قد جُبلَ على محبتي ، وعلى أن يفديني بكل ما يملك ، فقط هم يريدون منّي أن أبقى قريباً على الدوام ، لأن الهجر يسبب لهم ألماً وجدباً يودي بهذا القلب ومن فيه ؛ فحياتهم من حياتي ، ونجاتهم بقربي ! لكن هذه الحماية هي لأجل ما قد يصدف من اعتداءات خارجية عليّ .. لذا ، فهم حريصون على أن أبقى آمناً مطمئناً سعيداً ، وبأي ثمن . 
اضطررت أن أكمل رحلتي للقلبين المتبقيين في اللائحة ، فودعتني أنهار من الدموع ، وكأنهم يقبرون ميتاً ! وعدتهم صادقاً بزيارات قريبة ومتكررة . فإني الآن - بعد أن عشت جمال هذا القلب -لا أملك أي عذرٍ للهجر ، فأنا هناك مكفولٌ محبوبٌ ومحمي ! أي دولة توفّر هذا النعيم للزوار ؟ لكن يجب علي أن أغادر كي أكمل مهمتي الاستكشافية .


بما أني افتتحت برنامجي بزيارة قلبٍ ليّنٍ عطوف ، فينبغي أن استغل طاقتي في بداية الرحلة لأبدأ مغامرة خطيرة ، وهي زيارة قلب " العدو " . ما الغرض منها ؟ هل هو انتقام ما ؟ أم تشفّي ؟ أم مفاوضات سلام ؟ أم مصالحة ؟ لا أدري حقيقة ! أنا هنا مكتشف فحسب .. وفي هذا القلب الذي أتوقع منه ردة فعلٍ معينة ، أنا مغامر .لم اهبط إليه بالطريقة المعتادة ، ولم أتوجه لبوابته الرئيسية ، فالسذاجة لا مكان لها الآن ، بل دلفت القلب المحمرّ خلسة ، ومن مدخل مهجور . شعورٌ كريه أن تمشي على أرض حمراء لزجة تشعر أنها تشتمك .. تبصق عليك . أرض مغتاظة منك .. وتتحيّن الفرصة كي تنشق وتبتلعك .. لا بأس .. إنه ليس وطني ، إنما هو قلب معادي ! والأفضل أن أتصرف بعفوية لعلي أجد عاقلاً أستطيع الحوار معه لأتعّرف على هذا القلب ، وأبحث معه سبل تذليل الحواجز التي بيننا . هل هذا أحدهم ؟ لا أظن .. فالشرر يتطاير من عينيه ، وهناك حروف تحوم حول رأسه تحمل عبارات الشر لي ! ليس حول رأسه فقط .. إنها تتبخر من الأرض أيضاً .. ومطرزة باسمي ! ليس هذا فحسب .. هناك دموع لعجبي ! دموع غيظ .. وقهر .. وكثيرٍ من لومٍ وشكوى ! .. 
  - مستغرب ؟ التفتُّ لأجده خلفي ، وقد أولاني ظهره بعد أن ألقى السؤال ..
= جداً .. كيف يعيش قلبٌ بمثل هذا الحقد ؟
- كما تعيش .
= ماذا تعني ؟
 - إنك مثله تماماً .
= أنا ابتسم .. وأضحك .. ومشغول بمهامٍ أخرى .. بينما هذا القلب لا يحمل إلا الشر لي ..و
- هذا ما تراه أنت ، لم توجّهت لهذا القلب بالذات ؟ أليس لأنه يصنّفُ من ضمن قائمة أعدائك ..؟ لقد وجدتَ ما كنت تتوقعه : الشر .. وصاحب هذا القلب لو سُمح له بزيارة لقلبك .. فإنه سيجدُ ما وجدته أنت .
= أتمنى لو كان لديَّ وقتاً كي أبحث وإياك هذه الفلسفة .. لكني أتمنى أكثر ، أن أجد حلاً ..
- عد من حيث أتيت ، ثم توجّه بخطى ثابتة واثقة نحو بوابة القلب الرئيسية .
وهكذا ، أراني أسير متردداً ، نحو البوابة الرئيسية ، اقترب رويداً من صفٍ غاضب حانق وقف في انتظاري . لم أعبأ بردة الفعل السلبية هذه ، فقط اقتربت ..حتى بت أتعرّف على تلك القسمات ، وأشعر بها تنفث مشاعرها الحقيقة عالياً .. لم تكن لعجبي عدائية كما رأيتها من قبل ، بل لا يوجد عدائية تقريباً ! إنها سحابة محملة باللوم والقهر والعتاب .. ! تأملتها طويلاً .. واستشعرت كميّة الصدق فيها .. صدق تلك المشاعر أعني .. نعم .. هم غاضبون لسبب ما .. ليسوا شراً محضاً كما تصورتهم . ولوهلة ، انتابتني نفس المشاعر في قلبي تجاههم ، نعم .. لم أحمل في قلبي شراً كاملاً تجاه هذا القلب .. بل كان مجرّد غضب .. حالة استثنائية .. عقبة تعثرنا بها معاً ، وجرحنا بسببها معاً ، ثم " تلاومنا " . وهكذا ، حتى تصور كلٌ منا الآخر عدواً . ولذا أسميته قبل زيارتي : القلب " العدو " . ودّعته مستبشراً على أمل إيجاد حلٍّ يعيد هذا القلب لوضعه الطبيعي ، لن أحيله لقلب أمٍ مثلاً ! لكن أتمنى رؤيته قلباً أخضر مسالماً .. وهذا لن يتأتّى إلا بعد أن أعيد النظر في تصنيفي لهذا القلب ، بداية من تعديل مفردة " العدو " إلى " السلمي " .


لن يخرجني من الأجواء المعكرة هذه إلا زيارة خاطفة لقلبٍ مألوف محبوب ، أظنها ستصبح أشبه برحلة استجمام بعد طول عناء ، يمتلك هذا القلب شيئاً من خصائص قلب الأم الحنون المضحّي - وإن لم يكن بنفس الجودة عادة . إلا أنه يختلف عنها بامتلاكه جانباً حازماً من العهود والمواثيق الملزمة ، بالإضافة إلى تميزه بالحميمية الخاصة جداً ، والتي لا تأخذ دورها إلا سراً تحت جنح الظلام ؛ بيني وبين هذا القلب فقط . قلب " الحبيب " هو آخر القلوب التي سأتعرف عليها في رحلتي الاستكشافية .
كانت الرسائل تتطاير في انتظار خطوتي "الميمونة" ؛ وهذا ما يميّز هذا القلب ، وهو اشتهاؤه لزيارتي إلى درجة أشعر معها أني أحد المخلّصين المقدَّسين ، وكذا الحال بالنسبة لي ، فأنا أهوي إليه ، وألبي نداؤه كحاجٍّ ضامر على بعد خطوات من المشاعر المقدسة .. ! تلك كانت الصورة المنتظَرة قبل ولوج البوابة ، ماذا بعدها ؟ مُتعٌ فقط .. فقط .. ! كان تناولنا للطعام متعة .. كان الحديث متعة ..التحقيق معي "أين كنت" متعة أيضاً .. كانت المشاكل ممتعة ، والغيرة ممتعة .. هناك دموعٌ أيضاً .. هناك غضب .. هناك تعصّب .. هناك تهديد وابتزاز حتى .. لكن كل هذا " متعة " لا تضاهيها متعة .
كانت أسطري السابقة ستؤول للتناقض قبل رحلتي هذه ، فقد كنت أحمل قائمة أسميتها " أمراض الحب " ، ورتبتها بحسب خطورتها كالتالي : الغيرة - افتقاد لغة حوار - الاختلافات الحادة في وجهات النظر . ابتدأت بالغيرة لأني كنت أراها مرضاً عضالاً يقيّد الشريك ، ويسلبه أعز ما يملك ؛ وهي حريته ، فإن غابت الحرية ، فسينتج لنا نفاقاً أو ثورة ، وكلاهما هو فضٌّ للعلاقة . ثم عرّجت على لغة الحوار، لأني أراها أساس العلاقة ، وهي الجسر الذي سيقود مسيرتنا لنهاية واضحة ، فإن سقط ، سنضطر للوقوف .. ومن ثم التقهقر لأننا لن نقف للأبد ! ثم ختمتها بالاختلافات الحادة وتأثيرها ، وأنها أشبه بالاصطدامات ، التي تنتج جروحاً وفتناً تنهش في العلاقة تدريجياً إلى أن تقتلها . فكيف تصبح كل هذه الأمراض متعاً ؟
بعد عودتي من زيارتي الأخيرة ، صرت أضحك طويلاً كلما تصفحت دفتر ملاحظاتي وقرأت من قائمة " أمراض الحب " ؛ لأني أضحيت ممن رأى لا ممن سمع ؛ رأيت الحب حقيقة في ذلك القلب ، جلست معه ، وعشت مع طاقته الروحية الخارقة .. اختبرتها .. طاقة هائلة تنسف كل طاقة روحية أخرى .. طاقة هدفها واحد : المتعة . تصارعَ الكثير مع هذه الطاقة في معركة خاسرة ، سقطوا .. ليس صرعى ، وإنما عبيداً .. وليسوا عبيداً مبغضين لسادتهم ويتحينون العتق ، وإنما عبيد يرجون مزيد عبودية . إنها سحرٌ يربط بين العشاق .. ويصيّرهم ملائكة تتعبد بلا كلل ..! هذه الطاقة الحقيقة للحب إن وجدت ، فاعلم أن كل ما يعرض في طريقها بعد ذلك هو متشرب بهذه الطاقة الممتعة . إن تجوّلت في قلب الحبيب ، وعلمت أي تضحية قد يقدمها لك ، إن رأيت استعداده لإخضاع كل ما يعز عليه تحت حُكمِ الحب ، ستعلم حينها أي معجزة هي بين يديك . هذه المعجزة هي الإكسير الذي يُضَخ في عروق العلاقة ، حتى تغدو منيعة خالدة .

يقال إن السفر سمي سفراً لأنه يسفر عن أخلاق المسافرين ، ويهتك ستر المجاملة والمثالية المحمية بدفء المنزل .. أم السفر هنا فقد أسفر لي عن قلوب أهتم لها .. قلوبٌ أوشكت على الهلاك بأسباب جهلي وعدم مبالاتي . قلوبٌ رسمتها بأبشع منظر ، وشوهتها بسوء ظني . قلوبٌ أشقيتها مسبقاً بنصب العقبات والحواجز ، وحقنتها بأنواع الأمراض . 

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More